صديق الحسيني القنوجي البخاري
61
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَاللَّهُ يُرِيدُ لكم الدار الْآخِرَةَ بما يحصل لكم من الثواب في الإثخان بالقتل ، والمراد بالإرادة هنا الرضاء وعبر بها للمشاكلة فلا يرد أن الآية تدل على عدم وقوع مراد اللّه وهو خلاف مذهب أهل السنة ، قاله الشهاب : وَاللَّهُ عَزِيزٌ لا يغالب حَكِيمٌ في أفعاله ، وقد استدل بهذه الآية من يقدح في عصمة الأنبياء واشتغل المفسرون برده وجوابه وما أقل فائدة ذلك . لَوْ لا كِتابٌ أي حكم مكتوب ومثبت في اللوح المحفوظ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ اختلف المفسرون في هذا الكتاب الذي سبق ما هو على أقوال : الأول : أنه ما سبق في علم اللّه من أنه سيحصل لهذه الأمة الغنائم والأسرى بعد أن كانت محرمة على سائر الأمم . والثاني : أنه مغفرة اللّه لأهل بدر ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر كما في الحديث الصحيح « إن اللّه أطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم » « 1 » . القول الثالث : هو أنه لا يعذبهم ورسول اللّه فيهم كما قال تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [ الأنفال : 33 ] . القول الرابع : أنه لا يعذب أحدا بذنب فعله جاهلا لكونه ذنبا . القول الخامس : أنه ما قضاه اللّه من محو الصغائر باجتناب الكبائر . القول السادس : أنه لا يعذب أحدا إلا بعد تأكيد الحجة وتقديم النهي ولم يتقدم نهي عن ذلك ، وذهب ابن جرير الطبري إلى أن هذه المعاني كلها داخلة تحت اللفظ وأنه يعمها . لَمَسَّكُمْ أي لحل بكم فِيما أي لأجل ما أَخَذْتُمْ من الفداء عَذابٌ عَظِيمٌ وهذا عتاب له صلى اللّه عليه وسلم على ترك الأولى إذ كان الأولى له تدارك كثرة القتل فيهم لا الفداء وليس عتابا على فعل محرم تنزيها لمنصب النبوة عن ذلك . وقد أخرج أحمد عن أنس قال : استشار النبي صلى اللّه عليه وسلم في الأسارى يوم بدر فقال : « إن اللّه قد أمكنكم منهم ، فقام عمر بن الخطاب فقال : يا رسول اللّه أضرب أعناقهم فأعرض عنه النبي صلى اللّه عليه وسلم ثم عاد فقال : مثل ذلك فقام أبو بكر الصديق فقال : نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء فعفا عنهم وقبل منهم الفداء فأنزل اللّه لَوْ لا كِتابٌ
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في المغازي باب 9 ، 46 ، وتفسير سورة 60 ، باب 1 ، والأدب باب 74 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 161 ، وأبو داود في الجهاد باب 98 ، والسنة باب 8 ، والترمذي في تفسير سورة 60 ، باب 1 ، والدارمي في الرقاق باب 48 ، وأحمد في المسند 1 / 80 ، 2 / 296 .